هبة القدسي أمريكية- مصرية تدير مكتب واشنطن لجريدة الشرق الأوسط وأول من تنبأ بانفجار ثورة يناير

D918A230-D84B-4173-869A-561EEB2903F5

المهاجرون الآن – خاص – واشنطن المهاجرون الآن

درست في كيلة الإعلام جامعة القاهرة، وتميزت في عملها الصحفي في كبرى الصحف المصرية الرصينة، كصحفية متخصصة في الشؤون السياسية كدرجة أولى وفي قضايا المرأة أيضاً، ونظراً لإتقانها للغة الإنكليزية غطت مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية والسكان عام ١٩٩٤ من القاهرة، دون السفر إلى الصين، ورغم صعوبة الأمر إلا أنها نالت جائزة أفضل تغطية صحفية لمؤتمر بكين للمرأة في ذلك العام.  هبة القدسي

في عام ٢٠٠٢ بدأت العمل في مكتب جريدة الشرق الأوسط في القاهرة، وهناك لم تستطع العمل في القسم السياسي فالصورة النمطية عن الصحفيات في العالم العربي أنهن يجب أن ينحصر عملهن في صفحات الفن والمرأة والموضة، لكنها لم تكن أبداً من مؤيدي هذه الصورة النمطية فأرادت العمل باختصاصها المهني في القسم السياسي، لكن نظراً لازدحام القسم السياسي بالرجال، اختارت أن تعمل في القسم الاقتصادي والذي يعتبر الأقرب للعمل السياسي، وهناك تميزت السيدة القدسي بعملها لتترقى فيه وتُنتدب للعمل في المقر الرئيسي للصحيفة في لندن، الأمر الذي لا يتكرر كثيراً في مكاتب الجريدة في الدول العربية، فمن النادر أن يحصل الصحفيين العاملين في مكاتب الجريدة حول العالم بترقيتهم للعمل في مكتبها الرئيسي في المملكة المتحدة… وهذه كانت الهجرة الأولى للسيدة هبة ولكنها كانت هجرة مؤقتة للعمل ليس إلا.
في لندن انهالت عليها عروض العمل الجيدة جداً، والمغرية أيضاً مهنياً ومالياً، من قبل الجرائد في دول الخليج العربي، فانتقلت من لندن إلى جريدة البيان الإماراتية لتقبل العمل معهم كرئيسة لقسم الاقتصاد فيها. هبة القدسي
هذا التحدي الجديد أثبتت هبة القدسي من خلاله أن المرأة قادرة على إدارة قسم بهذه الأهمية في دولة تعتمد على القطاع الاقتصادي، وتنجح بقيادة فريق عمل ضخم ومتميز، بمهنية مشهودة وإدارة حكيمة، خاصة أن دبي في تلك الفترة كانت تقوم على الاقتصاد ويعتبر العصب الأساسي للدولة.
تجربة الغربة والهجرة من أجل العمل الصعبة كان يزيد من صعوبتها بقاء طفلتيها في القاهرة واضطرارها للسفر في فترات متقاربة متلاحقة، بين دول أقامتها ومكان إقامة بنتيها، متحملة ضغط العمل وضغط مشاعر الأم فكانت فترة بغاية الصعوبة، تتذكرها الإعلامية العربية بكثير من اللوعة.

في عام ٢٠٠٧ سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الدراسة، فحصلت على دبلوم في تقنيات الصحافة الجديدة مثل الصحافة الالكترونية والمواقع من جامعة “تشابل هيل” في ولاية نورث كارولاينا.
انتقلت بعدها للعمل في الكويت لتأسيس قسم اقتصادي في جريدة وليدة أصبحت فيما بعد من أهم الصحف الكويتية، وبرغم من نجاحها في العمل إلا أن ضغوطات الغربة وأمومتها خاصة بعد أن باتت طفلتيها في مرحلة يحتجن لوالدتهن معهن بشكل دائم خاصة في ظل ظروف الانفصال وغياب الأب لتصبح الطفلتان بعيدتان عن الأب والأم معاً وهذا ما لم تتحمله السيدة هبة فمصلحة بناتها وحالتهن النفسية هي الأولوية الأولى في حياتها، ما أجبرها على العودة إلى القاهرة مرة أخرى لتكون معهن بشكل دائم.

الهجرة الأخيرة

كانت ظروف هجرتها النهائية ظروفاً إنسانية كما تصفها السيدة القدسي، فقد حصلت على الطلاق مبكراً بعد قضية خُلع تنازلت فيها عن كل ما لها ولطفلتيها من حقوق، من أجل أن تحتفظ بحضانة طفلتيها، وقد عانت كثيراً لاضرارها الابتعاد عنهما من أجل العمل ولقمة العيش كي تؤمن لهما حياةً كريمة رغيدة، فكانتا تعيشان مع جدتهما (والدتها) في القاهرة وهي دائمة التنقل بين عملها في لندن بدايةً، والإمارات العربية المتحدة و الكويت لاحقاً، لتعيش فترة عصيبة من عدم الاستقرار وحاجتها لتكون قريبة من طفلتيها، وعندها قررت العودة والاستقرار في القاهرة، لكن المعاناة باتت على مستوى آخر، فقد خشيت من تأثير هذا الوضع على تحصيل بناتها وحالتهما النفسية، فحياة المرأة بشكل عام ونظرة وتعامل مجتمعاتنا العربية مع سيدة مطلقة له تأثير سيء بالمطلق عليها وعلى أبنائها…
تقول السيدة هبة بأنها ناضلت كثيراً كي لا تكون أسيرة هذه النظرة النمطية وهذا التعامل القاسي من المجتمع، لكنها شعرت بتأثير هذه الضغوطات على بناتها وتراجعهن دراسيا وهن في نهاية مرحلة الطفولة وبدء إدراكهن للمحيط وتأثيره عليهن؛ وهنا كان القرار بالهجرة النهائية إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عام ٢٠٠٩، ففي ذلك العام حصلت على قبول وظيفي في معهد “وودرو ويلسن” للبحوث في واشنطن، وكان هذا العمل فرصةً وسبباً إضافياً لترجيح فكرة الهجرة إلى أميريكا، وهذه المرة بشكل نهائي برفقة ابنتيها ووالدتها.
بعد الوصول، وفي رحلة السعي نحو الاستقرار، تواصلت السيدة هبة مع جريدة المصري اليوم لتكون مراسلة صحفية لهم من واشنطن، وأيضاً تواصلت مع بيتها الثاني (الشرق الأوسط ) لتعمل ضمن فريق مراسليهم في مكتبهم في واشنطن وهذا ماكان.
ألحقت بناتها في المدارس الرسمية الامريكية لمتابعة دراستهن، فلاحظت الفرق الكبير بين المجتمع العربي في مصر، والمجتمع الأمريكي حيث تلقت بناتها دعماً من قبل المدرسة كونهما يعيشان مع ( أم عازبة) بغياب الأب والسعي لمساعدتها في الحصول على حقوقها من طليقها بالرغم من انها مهاجرة حديثاً ولا تحمل جنسية البلاد، لكنها كانت قد تنازلت عن هذه الحقوق مسبقاً كي تحصل على الطلاق، لكن التصرف أو الفكرة بحد ذاتها لاقت استحساناً نفسياً عندها وعند بناتها، وقد وصفت هذه الحادثة بأنها خلقت لديها الكثير من الإحساس بالدعم، فأنت في بلد جديدة ولا تحملين جنسيتها وهناك من يدافع عن حقك طواعيةً ودون أن تطلبي ذلك، فهذه البلاد تساند الأم وحقوقها وتقف مع الأم تحترم النساء فعلاً وتقدر عملهن وأوضاعهن، وهنا تعبر السيدة القدسي عن سعادتها في تحسن نفسية بنتيها وعودتهن للتركيز على دراستهن وتفوقهن رغم صعوبات وتحديات التعايش في بلد جديد وثقافة جديدة ومجتمع جديد.

كان الحظ حليفاً للسيدة القدسي في هذه المرحلة فقد حصلت على العمل ضمن فريق الشرق الأوسط والمصري اليوم، إلى جانب عملها البحثي في معهد وورد ويلسون للبحوث، وهذا ما ساعدها كي تستطيع تأمين مستلزمات بداية حياتها من مسكن وتعليم لبناتها وما إلى هناك.

نبوءة تتحقق
أثناء عملها في مركز “وورد ويلسن” للبحوث، أنجزت بحثاً مهمهاً حول الفروق الديمقراطية بين بلدها مصر، وأمريكا، وتوصلت من خلاله لنتيجة مفادها أن على الحكومة الأمريكية أن تتعامل مع مصر بطريقة الهرم المقلوب، أي أن تتوجه للشريحة الواسعة من الشعب المصري، وليس للنخب فقط، وأن تخاطب الشارع كما هو وليس كما يفترض أن يكون، وإلا فإن انفجار الأوضاع في البلاد وقيام ثورة ضد نظام الحكم والنُظم الحاكمة ستكون قريبة وغير مستبعدة، وهذا ما تحقق بعد أقل من عام من صدور البحث، لتكون أول من تنبأ بقيام الثورة والإطاحة بنظام الرئيس السابق حسني مبارك.
وكنتيجةٍ طبيعية للاجتهاد في العمل والجدية بتحمل مسؤوليته، كان النجاح رفيقها حياتها الجديدة، فتدرجت بالترفع في عملها في مكتب الشرق الأوسط في واشنطن حتى وصلت إلى إدارته منذ أربع سنوات وما تزال على رأس عملها. هبة القدسي
خلال هذه الفترة سجلت الكثير من النجاحات على مستوى تطوير المكتب وبناء علاقات صحفية مهمة للغاية مع صناع القرار في البيت الأبيض والكونغرس، إضافة لعقد الاتفاقات ليكون المكتب منبراً تدريبياً أيضاً يقدم الخدمات المهنية لمن يحتاجها، فحولته من مجرد مكتب لجريدة، إلى مركزاً يستعان به بعد أن عقدت اتفاقاً مع جامعة “ميريلاند” لمساعدة الطلبة الذين يدرسون اللغة العربية، أو الطلبة الذين يريدون دراسة الإعلام، أو يقومون بدراسات حول منطقة الشرق الأوسط، سواء من العرب أو الأمريكين، فيعطيهم مكتب الجريدة الفرصة للتواصل مع مصادره في الخارجية الأمريكية، والبيت الأبيض والكونغرس وتنشر لهم موادهم وأبحاثهم في الجريدة بشكل مجاني، ولكنهم يأخذون منح من جامعتهم، وهذا ما يعتبر إنجازاً للسيدة هبة في تطوير عمل المكتب.
اليوم تعتبر السيدة هبة القدسي السيدة الوحيدة بين مدراء جميع المكاتب التابعة للصحيفة حول العالم، لكنها ليست الأولى فقد سبقتها في إدارة المكتب السيدة مينا العريبي كأول سيدة تتولى إدارة المكتب في أمريكا وفي مكاتب جريدة الشرق الأوسط جميعها، ويضم المكتب الآن خمسة صحفيين على درجة عالية من الكفاءة والمهنية والتميز يعملون تحت إدارتها.
وعن هذه التجربة تقول السيدة القدسي بأنها تستحق القتال والعناء والصبر للوصول إلى هذا المنصب الهام على المستوى الشخصي كسيدة والمهني كصحفية.

سر النجاج
بعد 11 عاماً من الهجرة، قضتها الإعلامية المتميزة والدؤوبة في العمل والتأسيس تعتبر نفسها اليوم نجحت بهذه التجربة الصعبة، وتغلبت على صعوبات الهجرة ومعوقاتها، فقد مر عليها الكثير من اللحظان الصعبة من الشعور بالوحدة، فليست الهجرة بالأمر السهل خاصة علة امرأة وحيدة، تحمل مسؤولية أسرتها وحدها بلا سند أو أقارب أو مجتمع حاضن، وهنا تقول السيدة هبة بأنها كثيراً ما وصلت إلى لحظات من اليأس فكانت تقرر العودة إلى مصر، لكنها تعود وتتغلب على يأسها لتتابع طريقها بكل عزيمة وتصميم.
وتُرجع السيدة هبة نجاحها إلى مثابرتها الدائمة في متابعة عملها والإخلاص له وتصف نفسها بأنها شخص يحب الخصوصية، وبأنها لم تشغل نفسها نهائياً باهتمامات غير أسرتها وعملها، فلم لم يكن لها أي اهتمامات اجتماعية مع الجاليتين العربية والمصرية، إلا بما يخص العمل الصحفي فكان جل تركيزها ينصب على أسرتها وعملها فقط. هبة القدسي
وتضيف بأن العمل الشاق والدؤوب والمتواصل هو السبيل الوحيد في دول المهجر كافةً لاثبات النفس والنجاح.
اليوم تتأمل السيدة هبة القدسي أن يكون لابنتها الكبرى، مستقبل سياسي بدخول الكونغرس الأمريكي فقد أنهت دراستها في العلوم السياسية، وهي اليوم تدرس الحقوق، ومدافعة شرسة عن حقوق النساء، فقد لمست بنفسها ومبكراً الحيف الذي يقع على النساء في مجتمعاتنا العربية.
أما عن التحديات الأولى في الهجرة هو التكيف مع الحياة الجديدة، في مجتمع جديد له ثقافته المختلفة كلياً عن خلفيتنا الثقافية، وأكثر ما كان صعباً بالنسبة لها وكان التحدي الأكبر أمامها هو الحصول على منزل مناسب للعيش ادخال البنات الى المدارس وتفوقهن.
وفي المجال المهني فكانت الصعوبة الأولى في الدخول الى أروقة السياسة الامريكية هو معرفة كيفية إقامة علاقات وبناء مصادر، فقد كان البدء ببناء شبكة علاقات ومصادر من الصفر في بلد غريب بداية من الصفر تماماً، لكن عملها في معهد “وورود ويلسون” فقد أعطاها إمكانية الخصول على المساعدة الأولى لانشاء علاقات صحفية كانت الخطوة الأولى لها في الوصول الى مصادر مهمة اعانتها كثيراً في عملها فيما بعد والتعرف على عدد كبير من المصادر بمساعدة العاملين من هذا المعهد، على حد وصفها. هبة القدسي
أما الدخول في مضمار أروقة السياسية الأمريكية لم تكن صعبة بالنسبة لها لانها إعلامية تمتلك ادواتها، أدوات المهنة التي لا تتغير بين دولة وأخرى، وامتلاكلها للغة ايضاً سهل عليها كثيراً البدء بشكل صحيح ومهني واثبات براعتها من جديد بالعمل، وماتزال مستمرة بمسيرتها المهنية كصحفية متميزة وإعلامية مشهود لها، وكأم نجحت في تربية بنتيها وحدها وأوصلتهما إلى بر الأمان العلمي والإنساني من ثقة بالنفس والاستقلالية والقوة التي أرادتها لهن تماماً.

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on telegram
Share on mix
Share on email
Share on whatsapp

آخر الأخبار

أنْجِيه الفرنسية تتكئ على نهر وقلعة

المهاجرون الأن – أنْجِيه مدينة فرنسية وتكتب Angers، وتلفظ “أنجيه”، تقع في غرب البلاد، وهي مركز إقليم ماين ولوار وأكبر مدينة فيه وثاني أكبر مدينة

منحة كندية للفتيات حصراً لدراسة الاعلام

التقديم ينتهي بتاريخ 30-04-2022 المهاجرون الأن – أوتاوا تطلق مؤسسة Media Girlfriends منحة دراسية لتشجيع ودعم الشابات والطالبات لدراسة تخصص يتعلق بالإعلام، من المقيمات في