الوضع المظلم
الثلاثاء 16 / أبريل / 2024
بورتريه مهاجرون - الكاتب السوري ماهر مسعود
ماهر مسعود/ صورة من الفيسبوك

غيثاء الشعار - خاص

يُقدّم موقع "المهاجرون الآن" مجموعة من قصص النجاح والشخصيات العربية المميزة التي تركت بصماتها البارزة في المجال الثقافي أو حققت نجاحات في ميادين متعددة. تهدف هذه الزاوية إلى تسليط الضوء على التفرّد والإبداع والإشادة بما حقّقه هؤلاء المبدعون واستكشاف تجاربهم وإنجازاتهم..

وخير بداية مع الكاتب والباحث السوري ماهر مسعود، الذي ينحدر من مدينة السويداء في جنوب سوريا. يقيم ويعمل في العاصمة الألمانية برلين منذ عام 2017، وقد حصل على بكالوريوس في الفلسفة من جامعة دمشق، وماجستير في الفلسفة الغربية. عمل كباحث زائر في مركز "لايبنتز" للدراسات الشرقية الحديثة، ونال جائزتي سمير قصير لحرية الرأي عام 2016 وحسين العودات لحرية الصحافة عام 2017.

 يكتب ماهر في العديد من الصحف والمجلات ومراكز الأبحاث، ويضيف من خلال أعماله الفلسفية، بعداً جديداً إلى المناظرة الفكرية في الوطن العربي، حيث صدر له كتاب بعنوان "الحرية.. من سماء الفلسفة إلى أرض السياسة" عام 2015 عن دار بيت المواطنة في بيروت. يتناول دراسة مفهوم الحرية وتطبيقاتها في سياق النهضة والتقدم، من خلال نقد الخطاب السائد وتحليل الفعل المرتبط به، مستنداً إلى أفكار الفلاسفة والمفكرين الذين تناولوا قضية الحرية. يبحث مسعود في معنى الحرية والحرية الفردية، ويتناول مشكلة الوعي، مستكشفاً الوضع السوري ومتنقلاً بين السياسة والفلسفة في بحثه عن مفهوم الحرية والخوف منها والتحولات في الوعي العربي.

صدر له مؤخراً كتاب "أفول النخبة" من مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر في باريس عام 2023. تتجلى في كتاب "أفول النخبة" فكرة مهمة، حيث يعكس الكتاب تحولاً جذرياً في فهمنا لمفهوم النخبة وتمثيلها في العالم العربي بعد الثورات العربية والتحولات التي شهدتها المجتمعات العربية. وبهذا المفهوم، يصبح المفكر شاهداً ومؤرخاً للحاضر، حيث يسعى لفهم لحظات الانحدار وتشكيل فكر جديد يتجاوب مع الواقع الجديد، مما يجعله يتصدر دوراً مهماً في رسم ملامح المستقبل وتحديد المسارات الممكنة للتطور. إلى جانب كتاب آخر في فلسفة الجسد تحت عنوان "ما الجسد" من بيت الفلسفة في الإمارات الذي صدر في نهاية العام الماضي أيضاً، والذي يعتبر تجربة فلسفية نقية، حيث يفتح المجال لدراسة الجسد من منظور فلسفي بعيداً عن التقاطع المعتاد مع العلم أو الدين أو الأخلاق.

يكتب ماهر مقالات ساحرة تترك أثراً عميقاً في ذاكرة القارئ. أفكار رائعة ومتجددة وعميقة، لكن أيضاً بلغة ممتعة للقارئ العادي، أقل ما يمكن وصفها بأنها قطع فنية وفلسفية. ورغم أن طريقته بالكتابة فريدة لا تشبه أحد إلا أنها في بعض الأحيان تذكر بأسلوب الكاتب اللبناني حازم صاغية، غنية وتشبع تطلعات القارئ. 

يتحدث في مقالاته عن المنافي المركبة التي يعيشها السوريون و واقع حياتهم كأفراد يفتقدون الى تنظيمات سياسية تلم شملهم داخل البلاد وخارجها. و كيف أصبحوا بعيداً عن تصوراتهم عن أنفسهم كشعب واحد وعن العالم حولهم، "عدداً كبيراً من الأقليات المتباينة، بل والمتقاتلة أحياناً" نتيجة للعنف الذي يتعرضون له والذي لا يترك مجالاً للشعب الواحد إلا أن يكون متخبطاً ومتناقضاً ومنقسماً على ذاته. يعتبر ماهر أن أقصر الطرق لكي تتحول تلك الشعوب والأقليات إلى شعب سوري واحد هو "التخلص من حامي الأقليات"، وليس الصراع على الهويات الدينية برأيه إلا صدى لتصاعد الصراع حول الهويات السياسية. 

 "تأملات في الثورة الفاشلة"، من أجمل المقالات التي كُتبت عن الثورة السورية والتي تتحدى القارئ، حيث استطاع أن يحلل أسباب ما آلت إليه هذه الثورة و وقائعها وتناقضاتها وتَعالي من يطلقون الأحكام عليها ومن يضعون أسساً وقواعد نجاحها وفشلها أو حتى التباكي عليها، بواقعية ومنطقية بعيدة عن التحيز  والتعصب وبمنهجية متميزة. وصف صيرورتها بأنها "صيرورة ثورة لا توجد نتائجها في مقدماتها. إنها صيرورة هدم وإعادة تشكيل لا تتوقف ولا يمكن توقّع نتائجها بطريقة ميكانيكية ساذجة. ومثل كل صيرورة، لا تكف عن الحركة والتناقض الذاتي وإفراز التناقضات القصوى". واختتم مقاله بتفاؤل وواقعية، مؤكداً أن "من لم يصنعه الفشل، لم يوجد بعد".

مقال "الساروت الذي لا يشبهنا" أيضاً من المقالات التي يصعب أن تمحى من الذاكرة ولا يمل من قراءتها مرة بعد مرة. فالساروت في قراءة ماهر، صار روحاً جماعية بوصلتها حرية الشعب السوري والتي لم تتغير. هو الشاب الذي لا يشبهنا، لأنه حر من الأيديولوجيات ومن صراعات الأفكار العميقة، لكن حكايته تجسد كل ما نَفِرُ منه وما نخاف منه، وتجسد حكاية الثورة السورية التي بدأت بالأمل والأغاني ثم نهشها العنف فارتدت ثوب الجهاد حتى تستر جسدها عندما "تُركت عارية أمام عين التاريخ الوقحة". والذي مات "مثل موت الله عند نيتشه، عندما لم يعد للأمل قيمة ولا معنى".

قد يكون التحرر من الأيديولوجيات والقيود من العوامل التي تجعل ما يكتبه ماهر موضوعياً وحراً في طرح الأفكار المتمردة وفي نقد الأفكار السائدة ومواجهتها ومراجعتها في الأطر الثقافية والسياسية والفكرية مقدماً رؤى جديدة حولها. من القضية السورية إلى الكردية، ومن الطائفية إلى الصراعات حول الهوية، والفلسفة والفردية والجسد والمواطنة، كلها قضايا عالجها ماهر مسعود في مقالاته بطريقة غنية ومنطقية، تثير العقل وتقود القارئ إلى فهم أبعاد جديدة للواقع وتدعوه إلى النظر بعمق إلى حياته في عالم  مليء بالتحديات والتعقيدات، إلى جانب الأمل والحب الذي لا تخلو منه كتاباته.

تصويت / تصويت

هل الهجرة واللجوء إلى دول الغرب

عرض النتائج
الحصول على الجنسية
0%
حياة افضل
50%
كلاهما
50%

ابق على اتصال

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!