لماذا تفشل المطاعم في دول المهجر

catering jpeg

المهاجرون الآن – يونس الكريم

ترددت على مسامعي خلال سنوات عملي الطويلة، مع مختلف الجهات من تكنوقراطيين ورجال أعمال أو منظمات غير حكومية، في إعداد دراسات الجدوى وتقييم المشروعات، مناقشات كثيرة لمعرفة أسباب فشل المشاريع، التي أقيمت بشكل مشابه لمشاريع أخرى ناجحة، وكان الفارق الاكثر وضوحاً هو إعداد دراسة جدوى ، بل حتى المحافظة على النجاح كان من خلال إعادة تقييم للمشاريع كل ٥ سنوات، بالمقابل تلك النقاشات كانت تنتهي بنتيجة مفادها أن الأسباب واحدة للفشل، بغض النظر عن الحجم أو المكان بالإجمال ، وهو ما سوف أوضحه من خلال مقالتي هذه، سأحاول شرح أسباب فشل المشاريع بشكل يعتمد على قطاع المطاعم كمثال عنها، لأن هذا القطاع بات أحد الطرق التي يلجأ إليها السوريين على الخصوص والناس عموماً كوسيلة للمحافظة على مدخراتهم بوجه التضخم ونوع من التأمين الدخل اليومي لهم، لذا هذه الدراسة تنطبق على المطاعم داخل أو خارج سوريا على السواء، فوفقاً لأبحاث تسويقية يتم إغلاق 60% من المطاعم خلال عامها الأول و80% خلال الخمس سنوات الأولى، لعدة أسباب باعتقادي هي:

  • عدم إعداد دراسة جدوى للمشروع:

دراسة الجدوى ليست محصورة بالحصول على القرض، كثر لا يعلمون أن الهدف من الاقتراض هو تخفيف العبء الضريبي والتضخم، وتوفير السيولة للمشروع والذي يعبر اقتصادياً عنه بـ”الرافعة المالية”، ليس هذا وحسب، بل إن دراسة الجدوى تعني وضع خطة عمل مقيدة بالزمن والكميات لمواجهة المتغيرات، بعد الاطلاع عليها، مما يقلل عنصر المفاجأة، ويضبط حركة المشروع من الفوضى، ويحسّن الإدارة ويمنع الهدر، الذي قد يتحول إلى فساد من خلال شراء ما لا تحتاجه سواء بالنسبة للوقت أو العملية الإنتاجية والإدارة، كما أن دراسة المشروع قد تجعل من المشروع جذاباً فترتفع القيمة السوقية للمشروع من خلال التنظيم قبل البدء فيه حتى.

لكن، أهم مشكلة تعيق إعداد دراسة الجدوى أنها مكلفة إن كانت منجزة بشكل احترافي، فقد تكلف بين 2-10% من قيمة المشروع الخدمي، وتتم الدراسة على قسمين:

الأول تكون دراسة مبدئية لمعرفة هل هناك إمكانية لقيام المشروع قانونياً واجتماعياً، وهل هناك فرصة لنجاحه.

الثاني ويتمثل بالدراسة النهائية التي تشتمل على الجوانب التسويقية والقانونية والهندسية والمالية وغيرها من الجواني التي تختلف من مركز لآخر إضافة إلى تحليل المؤشرات المالية.

لذا قد يلجأ الكثيرون الى استشارة شفوية من البعض ذوي الخبرة ظناً أنها تكفي، وذلك من خلال حديث ودي أشبه بالفضفضة أو اللجوء إلى محاسب لإجراء الدراسة مستفيدا من رخص الكلفة واستئناساً بها لمقاربات أحاديث سابقة حول نية افتتاح المشروع، فيقام المشروع على سلسلة أخطاء يصبح من الصعب تجاوزها.

إن إهمال إنجاز دراسة الجدوى الاقتصادية عند جهة متخصصة، قد يدخل المشروع بحالة فوضى وعشوائية ويفقده القدرة على المناورة والاستفادة من الفرصة البديلة بالسوق التي يعمل بها ويجعل المشروع دائماً في حالة الدفاع، وهو ما سوف ينهكه ويدفع به للتوقف بمرحلة ما من عمر المشروع بدلاً من العطاء والتوسع المتوقع عند أصحاب المشروع.

  • ديكور المطعم والتجهيزات

المطعم عبارة عن سيمفونية لا مجال فيها للأصوات الشاذة، وإلا ستنحرف هذه الأصوات مع الوقت وتتحول الى ضجيج ، فمشروع المطعم يشكل من الى ديكور مرور بكل تفاصيل عمله هذه السيمفونية، وهنا لابد من تذكير ان الأطباق تقود إلى اختيار الديكور وليس العكس، اي ان نبدأ التشكيل من الجوهر وليس أن نركب مشروع !، مثلاً إن قيام مطاعم المأكولات الشرقية بتقديم الطعام بطريقة غربية ظناً منه انها طريقة تدل على الرقي، ليبيح لنفسه رفع الأسعار، في حين يفتقد الزبون الإحساس بالألفة و وتنتابه رغبة بالخروج وعدم العودة بسبب الضجيج البصري ، وهذا ما يقصد بسيمفونية متناغمة من كل الجوانب.

إن فوضى الأثاث والديكور الذي لا يستطيع إيصال فكرة وهوية محددة للمكان، تؤثر سلباً على الرغبات والمشاعر، وتخلق شعوراً من عدم الارتياح، ومثال على ذلك، افتتاح مطعم كبير في فرنسا يحمل اسم المطاعم السورية، إلا أنه غير قادر على تحديد هويته المادية عبر الأشياء الموجودة واللوحات فيه، وبالتالي يصلك شعور بأن صاحب المطعم يعاني أزمة هوية ما يؤثر سلباً على الزبائن التي سرعان ما تنفر منه، وان الولاء للمطعم الذي يفقد قيمته تصبح سهلة.

تفاصيل تجهيزات المطعم من المطبخ إلى أدوات الطعام على الطاولات مروراً بوضوح الوصفات و هوية الأطباق ودورا كل من العاملين بالمشروع ، هي روح واحدة متكاملة وأساسية كي تعطي انطباعاً إيجابياً ودلالة استقرار المشروع واتجاهه للنجاح، ، فعدم إعداد دراسة جدوى للمشروع وخطة للعمل تشير على أن صاحب المشروع بالبداية قد اعتماد سياسة التوفير على حساب العدد والتجهيزات ونوعيتها، وبالتالي تظهر النتائج في جودة الأطباق وسرعة تقديمها وتخديم الزبائن، فضلاً عن انعكاس ذلك على فواتير الطاقة التي تزداد مع التجهيزات الرديئة، لتبدأ مع كل يوم يمر بعمر المشروع يظهر قرب موعد فشله وعدم الرضا عنه نتيجة عدم وجود دراسة الجدوى .

إن الفهم الحقيقي لعمر المشروع، عامل هام في خلق ولاء الزبائن، الذين يدفعون لقاء حصول على خدمة مناسبة وليس من أجل تحقيق أرباح لصاحب المشروع، فالولاء للمشاريع الخدمية هش ويتبدل بسرعة.

  • الخدمة:

يعتقد كثير من أصحاب هذه المشاريع، أن مشاريعهم هي مكاتب علاقات عامة، فيحاول جاهداً تحويل علاقة الزبون بالمشروع (المطعم) إلى علاقة شخصية مع صاحب المشروع، واطلق على هذا الزبون اسم الزبون الصديق، على أساس أنها نوع متقدم من الولاء، لكن الحقيقة أن مخاطر هذا النوع من الإدارة أكبر من فوائده، لأن ذلك يُدخل الزبون بشخصية وحياة صاحب المشروع والعاملين عليه ، وتتوسع معه دائرة عمل اللاوعي لدى الزبون، الأمر الذي يجعل القدوم مجدداً مربك له ويتحكم به عوامل خارج اطار العمل المهني بالمطعم ، كما أنه يحول الزبون إلى منطقة أكثر حساسية بولائه للمطعم ، وربطها بالحصول على خدمات إضافية مجانية وهذه خسارة، ويربك عمال المشروع بترتيب أولويات العمل عند قدوم الزبون الصديق .

والخدمة لا تتعلق فقط بخدمة التقديم والتوصيل والمحاسبة، انما تتعلق بالوجبة نفسها، العنصر الأساسي بمشروع المطعم، وهنا أتذكر استشارة قدمها شيف مرموق عند تقييم أسباب فشل مشروع “مطعم” وعدم تحقيقه للأهداف التي أنشئ من أجلها المشروع ” النمو” ، بأن حجم الوجبة يلعب دوراً بهدر الموارد، ابتداءً من المواد إلى قوة العمالة إلى بقايا الطعام ورميها والتنظيف، إلى منع الزبون من طلب الحلويات والمشاريب وكل هذه خسائر، فالطبق يبرد قبل الانتهاء منه مما يجعل الطعم غير مستساغ وغير صحي، وهنا يلعب دور قسم الاختبار والتطوير في الإدارة، وهذا لا يحتاج إلى موظفين جدد إنما يحتاج إلى انشاء هذه المهمة ومتابعتها، وإن مهمة المطعم تقديم الطعام بما يتناسب مع المبلغ المدفوع وتطلعات الزبون فالمطعم ليس منظمة خيرية للإطعام وليس معسكر يعمل على تجويع الزبون خلال اختياره المطعم لتناول وجبته ويشعره بأنه أمام من يسرقه !!

اما خدمة “الديلفري” التوصيل، فهي مرتبطة بوضوح الطلب ومن ثم معرفة سير انتقال الطلب وإنجازه إلى مرحلة التسليم، وأي فوضى خلال هذه العملية، المشروع لن يخسر الزبون فقط بل قد يجعل من الزبون خصم محتمل لا يتوانى عن استخدام معارفه في معركته لشعوره أن هناك غبن أو سرقة تمت، من خلال سوء الطلب.

وهذه الأمور لا يمكن إنجازها بشكل اعتباطي أو تركها للشيف ليقرر كيفية إنجازها، وإن كان المطعم صغيراً أو كبيراً، فإجراءات العمل بالمطعم لا يمكن ان تترك للأحاسيس أو المشاهدات السابقة وإلا أنت تؤسس لانهيار المشروع.

  • الوصفة (المقادير):

الوصفات هي سبب مشترك في انهيار معظم مشاريع المطاعم، حيث يترك الأمر للشيف والعاملين في تحديدها، فتجد كل وجبة تختلف عن الأخرى رغم انها ذات الطلب !، ويتحول الزبون لفأر تجارب رغم أنه يدفع ليأخذ الخدمة التي صرح المطعم عن تقديمها، لذا على المطعم أن يعتمد على الوصفات المكتوبة بدقة، وهي ليست لها علاقة بطريقة التحضير التي تميز الشيف عن آخر( من الخطأ الظن أن وجود وصفات تعني تقييد إبداع الشيف، أو أنها تسرق خبراته)، لأن أساس الأطباق واحد بالمقادير، كما أن الوصفة المكتوبة تمكن من حساب الكلفة، فيمكن على أثرها تحديد السعر وتحديد الربح.

لذا وجود وصفات مكتوبة لإنجاز الوجبة دليل على حسن سير العمل بالمشروع وانه على طريق صحيح لنموه.

  • حساب تكلفة الوجبة (كوست كنترول):

تكلفة الوجبة التي تشمل التكاليف المباشرة وغير المباشرة، دراسة العروض، ونسبة الربح، تحليل الأصناف الأكثر والأقل ربح..

وهي غير موجوده دائما حتى بالمطاعم الكبيرة على أهميتها، وانما يتم حسابها على أساس الكلفة الإجمالية، وهذا ينعكس بتخبط بالأسعار التي تتبع اسعار الرائجة بالسوق، وغالباً ما يقود إلى شعور الزبون أن هناك وجبات أرخص من وجبات والأسعار بها خلل، فيصبح العقل الباطني للزبون يحسب الوجبات، لأن شعوره بارتفاع الأسعار قد يقوده إلى الشعور بالاستغلال !.

كمان أن عدم حساب الكلفة يضعف قدرة المشروع على المناورة في الأسعار وخاصة اذا كانت تعتمد على مواد تختلف اسعارها من فصل لآخر، ويضيّع على المطعم القدرة على تقديم عروض وتخفيضات تسويقية حقيقة مشجعة للمطعم دون أن تؤثر على ارباحه او على ماليته.

إن حساب الكلفة تمكّن من معرفة اتجاه الأسعار، فتستطيع تهيئة الزبون إلى تغيير بنمط الوجبات أو الأسعار خاصة مع التضخم الذي يضرب الاقتصاد، كما أنه يساعد المطعم للتحوط عبر التخزين دون أن تقود إلى تجميد أموال بالمخزن لسلع هي سريعة العطب .

ان حساب الكلفة هو اجراء يمكن اعتماده من قبل محاسب يتم التعاقد معه مرة واحدة أو مع كل مرة تتغير فيها الأسعار أو توظيف محاسباً لهذه المهمة.

  • المينيو (قائمة الطعام):

كثيرا ما كنت أصاب بخيبة أمل وأشعر أنه تتم سرقتي عندما أطلب طعام معين وأحصل على آخر، فمثلا يتم تسمية الدونر التركي في أوروبا على أنه شاورما سورية!!!، ويكون سعرها الضعف و كميتها أقل وليست بجودة المطاعم التركية، أو أن أدخل مطعم سوري لأكتشف انه يقدم خليط من الطعام التركي والوجبات السريعة، حتى في سوريا كنت أدخل مطعماً في مدينة حلب على فرض أنه يقدم كبة حلبية أصيلة (فريش)، لأجد أنها كبة مفرزة ثمنها بضع الليرات ويطلب ثمنها العشرات!

إن المينيو إنما هو عبارة عن رسول بين المطعم والزبون وهو باقة الورد من المطعم، وخريطة الطريق للاتفاق بين المطعم والزبون(عقد)، فكلما كان واضح وهناك التزام ببنود المينو كلما كسبت ثقة الزبون ووده بغض النظر إن وجد طلبه أم لا، لأنه قد لا يجد طلبه في المرة الأولى، لكنه في المرة الثانية سوف يأتي وهو يعرف ما يطلبه.

وجدير بالملاحظة إن أرباح المطعم عادة لا تتجاوز 30-45%، وكل ما هو خارج هذه النسبة يعني أن هناك خلل في أحد المراحل ولا بد من مراجعة خطوات العمل لاكتشافها.

  • التسويق:

يعتقد الكثير من العاملين أن التسويق يتم باستخدام الإعلانات عبر السوشيال ميديا أو تحويل الزبون إلى زبون صديق، في حين أن التسويق هو أعقد من هذه الخطوات، وأكثر جدوى من زيادة مبيعات مؤقتة، فالتسويق ببساطة هو معرفة الوقت المناسب للإمساك بالزبون بأقل جهد ممكن، والتأكد من أن الزبون سوف يعود من جديد إليك.

وهذا يحتاج إلى معرفة إمكانيات المشروع الحالية والمستقبلية وحجم القدرة على تلبية الزبون وفق قدراتك المالية لتحقيق الأرباح وإلا باتت الخسائر مؤكدة، وهذا يحتاج إلى دراسة جدوى تسويقية.

ففي ٢٠٠٨ قام أحد المطاعم على أوتوستراد المزة في سوريا، بحملة إعلانية جذابة، جاء الكثير من الناس على إثرها، إلى أن امتلأ المطعم وبقي العشرات ينتظرون للدخول، الأمر الذي دفع إدارة المطعم للطلب بلطف من الزبائن الاستعجال بإنهاء وجباتهم، من أجل الزبائن الآخرين المنتظرين على الباب،

لكن مع الوقت بدأ رواد المطعم يتناقصون، وعند السؤال عن السبب، كانت الإجابة أن الزبائن يشعرون أن إدارة المطعم تريد تحصيل نقودهم وطردهم، وهم يشعرون بأنهم مراقبون من العمال لطردهم فور انتهائهم من وجباتهم!!

إن صناعة المطعم ليست مشروع بسيط يحتاج إلى رأس مال وإيجاد شيف ماهر فقط، إنما هو عملية تصنيع كاملة للطعام وانشاء طاقة إيجابية بكل تفاصيله لتكون وسيلة لكسب الزبون، وهذا ما يجعل العمل بحاجة إلى التفرغ الكامل والصبر والاهتمام بأدق التفاصيل، فهي خدمة تتعلق بصناعة الأحاسيس واسترجاع الذكريات الجميلة، كما الاهتمام بجودة الوجبات.

 

نقلاً عن موقع اقتصادي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on telegram
Share on mix
Share on email
Share on whatsapp

آخر الأخبار