الوضع المظلم
الخميس 01 / ديسمبر / 2022
ذاكرة طالبة مهاجرة لصباح صيفي في مدينة أمنة
مايا خالد محمد - طالبة سورية لاجئة سنة ثانية إعلام - اربيل.
لم يكن يخطر في بال الناس هناك، قبل أن يناموا، أنهم قد لا يستيقظون من نومهم أو أنهم قد يفتحون أعينهم على أشلاء أقربائهم وجيرانهم وهي تتناثر في الأرجاء.

في ذلك الصباح الصيفيِّ، في السابع والعشرين من شهر تموز/ يوليو عام 2016، وفي الساعة 9:23 من نهار لن يُمحى من ذاكرة مدينة قامشلو، ما كان يتنبّؤون بأن لقمة إفطارهم ستكون مغموسةً برائحة التفجير، ونُثار الغبار، ودماء ضحايا لا ذنبَ، وأنهم بعد أن قضوا عقوداً من أعمارهم في تشييد بيوت ومساكن تؤويهم، سيفيقون على أنقاض ودمار هائل، أو سيكونون جثثاً مهروسة ومبعثرة تحت الأنقاض أو في حفرة لا تصدقها عينٌ ولا يقبلها ضمير.

كنت مع عائلتي، وقد بدأنا بتناول الإفطار تحت دالية العنب وشجرة الزيتون، بالقرب من نافورة المياه في حوش جَدّي وجدَّتي، بحيِّ (هلالية) المجاور للحي الغربي الذي شهد التفجير، وكانت السماء صافية زرقاء اللون، بالرغم من أننا كنا في منتصف الصيف ولكن كنا نستمتع بنسمات الهواء العليلة وزقزقة العصافير التي كانت تشاركنا الفرحة بجمال ذلك الصباح، حيث رائحة الورود والأشجار، وضحكات الأطفال وهم يلعبون ويمرحون، وأصوات السيارات والأغاني التي تأتي من مسافات بعيدةٍ، لنسمعها، وفرحتنا بزيارتنا إلى بلدنا وأهلنا بعد أن كنا فارقناهم قرابة خمسة أعوام قضيناها في إقليم كوردستان، لم نكن نعلم أن تلك الفرحة ستتحول في لحظة إلى ساعات مشؤومة مليئة بالحزن والبكاء.

في تلك الأثناء غابت زُرقة السماء وفصل بيننا وبينها حاجز من دخان أسود، وغبار متصاعد، كأنه ليل معتم كئيب. في تلك الأثناء، كان ما يشبه القيامة، واختفت كلُّ تلك الأصوات ولم يبقَ سوى صوت ذلك الانفجار الذي هزّ المدينة بأكملها و أصوات سيارات الإسعاف والشرطة و بكاء النساء والأطفال، حينها ركضنا نستطلع ما حدث… لنرى أن تلك السماء الصافية الزرقاء تحولت إلى ليلة سوداء قاتمة كئيبة، ونرى أن المياه والدماء والتراب قد اختلطت وامتزجت بعضها ببعض، خلال تلك اللحظات ما كان أحد يستطيع رؤية الآخر، بسبب الغبار والدخان المنبعث…

هناك، في ذلك المكان، وفي تلك اللحظة المؤلمة، غاب عشرات الأشخاص الذين كانوا يملؤون المكان حياةً وحركة وابتسامات، وكان بعضهم متجهين إلى أعمالهم، وآخرون كانوا متوجهين إلى المخابز لشراء الخبر لعائلاتهم التي تنتظر عودتهم، بل كان بينهم من كانت ذاهبةً لشراء فستان زفافها وقد غمرها الفرح… لا أزال أتذكر دموع النساء والأطفال والدماء التي صبغت ملابس الشباب، وهم يحاولون إنقاذ الأطفال والعوائل بأصعب الطرق.

ثَمّةَ سقوف مهدَّمة، وجدرانٌ واقعة ومائلة بشدة على أجساد الأطفال وكبار السن… تلك الجثث المحروقة والمقطعة، أيامهم التي عاشوها، والتي كانوا سيعيشونها ذهبت دون أن يحصلوا على تذكرة عودة… أمهات تلملم تفاصيل أطفالها وتضعها في أحضانها، وهي تبكي بحرقة… وجوه وعيون غابت أحلامها وآمالها… هنا وهناك أشخاص ينظر بعضهم في عيون بعضٍ، دون أن يبوح أيٌّ منهم بكلمة، بعد أن عجزت اللغة عن الإفصاح عمّا في قلوبهم.

في اللحظات ذاتها وقع نظري على أحد المدرسين المعروفين في تلك المدينة، وإذ به يقف على أطلال بيته المتهدم تماماً، وكان قد أمضى أعواماً من عمره وهو يكمله جزءاً جزءاً، ها هو يتأمل عمق الحفرة الواسعة التي أحدثها ذلك التفجير، واختفاء معالم الحي تماماً، وقد شكّل ركام الأبنية المنهارة كومةً من المخلفات الحجرية مختلطة بدماء الناس.

أما أنا فقد وجدت نفسي بين الجموع الحاضرة، أتابع تفاصيل الموقف بألم عميق، وأفكر في أولئك الراحلين الذين غابت معهم أحلامهم وآمالهم، وأتأمل حطام الزجاج والجدران والبيوت المهدمة، وقد امتزجت الدماء بالتراب والحجر، كأنه مشهد من فِلمٍ خياليّ لا أكاد أصدقه حتى الآن، وقد مضى على الحادثة أعوامٌ.

بالرغم من أنهم باشروا بتنظيف المكان والشوارع وإعادة ترميم وبناء الأبنية والبيوت، لكن من غاب هذه المرة، هم أبطال الرواية التراجيدية، الذين لم يبق لهم سوى صور وأسماء زينت بها زوايا منازلهم، وفي كل مرة كنت أرى تلك المنطقة، يحضر إلى ذاكرتي ذلك المشهد وذلك اليوم الذي دفن فيه أطفالٌ، رجالٌ، نساء وشباب دفنت معهم أحلامهم، وصاروا علاماتٍ فارقةً لن تزول من ذاكرة مدينة اسمها (قامشلو).

العلامات

تصويت / تصويت

هل أعجبك الموقع بشكله الجديد؟

عرض النتائج
نعم
85%
لا
9%
لا أدري
5%

ابق على اتصال

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!