-
من الهامش إلى عتبة السلطة.. هل يقترب حزب البديل من تغيير المشهد السياسي في ألمانيا؟
برلين | أحمد ياسين
لم يعد السؤال المطروح في الأوساط السياسية الألمانية ما إذا ما كان حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) سيواصل صعوده، بل إلى أي مدى يمكن أن يترجم هذا الصعود إلى نفوذ سياسي فعلي. فالمؤتمر الاتحادي الأخير للحزب، الذي عُقد في مدينة إرفورت، لم يكن مجرد اجتماع تنظيمي لتجديد القيادة، بل بدا وكأنه إعلان عن مرحلة جديدة يسعى فيها الحزب إلى الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع المنافس على قيادة البلاد.
منذ تأسيسه عام 2013، مر الحزب بتحولات متسارعة. بدأ كحركة تعارض سياسات إنقاذ اليورو، ثم اتجه تدريجيًا نحو قضايا الهجرة والهوية والأمن، مستفيدًا من أزمات متلاحقة شهدتها ألمانيا، بدءًا من أزمة اللاجئين عام 2015، مرورًا بجائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من ارتفاع في أسعار الطاقة وتباطؤ اقتصادي. ومع كل أزمة، تمكن الحزب من توسيع حضوره داخل المشهد السياسي، مستفيدًا من تراجع ثقة جزء من الناخبين بالأحزاب التقليدية.
في مؤتمر إرفورت، أعيد انتخاب أليس فايدل وتينو خروبالا لقيادة الحزب، لكن الرسالة الأهم لم تكن نتيجة التصويت، بل مضمون الخطاب السياسي. فقد قدمت القيادة نفسها بوصفها فريقًا جاهزًا للحكم، معتبرة أن استمرار استبعاد الحزب من أي ائتلاف حكومي لم يعد يعكس الواقع الانتخابي الذي تشير إليه استطلاعات الرأي، والتي تضع الحزب بين أقوى القوى السياسية على المستوى الاتحادي. ووصفت وسائل إعلام ألمانية، منها Tagesschau وZDF، المؤتمر بأنه اتسم بانضباط واضح وسعي متعمد لإبراز صورة حزب أكثر تنظيمًا واستعدادًا لتحمل مسؤوليات الدولة.
هذا التحول في الخطاب لا يمكن فصله عن المتغيرات التي تشهدها ألمانيا. فالتباطؤ الاقتصادي، والضغوط الناتجة عن التضخم، واستمرار الجدل حول سياسات اللجوء والهجرة، أسهمت في إعادة تشكيل أولويات جزء من الرأي العام، ولا سيما في الولايات الشرقية، حيث يشعر كثير من المواطنين بأنهم لم يستفيدوا بالقدر الكافي من ثمار الوحدة الألمانية، وأن الفجوة الاقتصادية والاجتماعية مع الغرب ما تزال قائمة. وقد وجد حزب البديل في هذه البيئة مساحة لتوسيع نفوذه، مقدمًا نفسه بوصفه صوتًا للفئات التي ترى أن مخاوفها لا تحظى بالاهتمام الكافي من الأحزاب التقليدية.
غير أن الصعود الانتخابي لا يعني بالضرورة الاقتراب من السلطة. فالنظام السياسي الألماني يقوم على تشكيل حكومات ائتلافية، ولا يستطيع أي حزب أن يحكم منفردًا في الظروف الحالية. وهنا تظهر العقبة الأكبر أمام حزب البديل، إذ ما تزال الأحزاب الرئيسية، وفي مقدمتها الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر، ترفض التعاون معه فيما يُعرف في الخطاب السياسي الألماني بـ"الجدار الناري"، وهو التوافق الذي يهدف إلى منع الحزب من الوصول إلى السلطة عبر التحالفات الحكومية.
وترى صحف مثل Die Zeit وSüddeutsche Zeitung أن هذا الجدار لا يزال صامدًا على المستوى الاتحادي، لكنه يتعرض لاختبارات متزايدة في بعض الولايات الشرقية، حيث يحقق الحزب نتائج انتخابية مرتفعة تضع الأحزاب الأخرى أمام معادلات سياسية معقدة. فكلما ارتفعت شعبية الحزب، ازدادت صعوبة تشكيل حكومات مستقرة من دونه، وهو ما يفتح باب النقاش حول مستقبل هذا التوافق السياسي.
في المقابل، لا يقتصر الجدل حول الحزب على المنافسة الانتخابية. فما تزال بعض أجنحته وشخصياته محل متابعة من قبل أجهزة حماية الدستور الألمانية، كما تتهمه قوى سياسية ومنظمات مدنية بتبني مواقف تتعارض مع قيم التعددية والانفتاح التي يقوم عليها النظام الديمقراطي في البلاد. وينفي الحزب هذه الاتهامات، ويؤكد أن مراقبته ذات دوافع سياسية، وأنه يمثل شريحة متنامية من المجتمع تشعر بأن أصواتها مهمشة داخل النظام الحزبي التقليدي.
خارج قاعة المؤتمر، عكست شوارع إرفورت حجم الانقسام الذي يثيره الحزب. فقد خرجت تظاهرات واسعة شارك فيها آلاف المحتجين رفضًا لانعقاد المؤتمر، بينما انتشرت قوات الشرطة بكثافة لتأمينه ومنع الاحتكاكات. وقدمت هذه المشاهد صورة رمزية لألمانيا المعاصرة، حيث يتعايش صعود قوة سياسية جديدة مع تصاعد القلق المجتمعي من تداعيات هذا الصعود على مستقبل الحياة السياسية.
وفي قراءة أوسع، لا يبدو أن حزب البديل يمر بمرحلة صعود عابرة، بل أصبح عنصرًا ثابتًا في المعادلة السياسية الألمانية. إلا أن الانتقال من قوة انتخابية مؤثرة إلى حزب يقود الحكومة يظل مرهونًا بعوامل تتجاوز حجم التأييد الشعبي، من بينها طبيعة النظام الائتلافي، ومواقف الأحزاب الأخرى، وقدرة الحزب نفسه على توسيع قاعدة قبوله خارج جمهوره التقليدي.
ولعل ما كشفه مؤتمر إرفورت ليس أن الحزب بات على أبواب المستشارية، وإنما أن السياسة الألمانية دخلت مرحلة جديدة، لم يعد فيها تجاهل حزب البديل خيارًا سهلًا كما كان في السابق. فسواء تمكن من الوصول إلى السلطة أم بقي خارجها، فإن حضوره المتنامي يفرض على خصومه إعادة النظر في استراتيجياتهم، وعلى ألمانيا بأسرها مواجهة أسئلة عميقة حول التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعيد رسم خريطتها الحزبية.
قد تحب أيضاe
تصويت / تصويت
هل العنصرية ضد المهاجرين ممنهجة أم حالات لاتعبر عن المجتمعات الجديدة؟
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!