الوضع المظلم
الأحد 26 / مايو / 2024
  • تركيا تعزز حضورها الافريقي ومقاتلون سوريون (مرتزقة) يزجون في القارة السمراء

تركيا تعزز حضورها الافريقي ومقاتلون سوريون (مرتزقة) يزجون في القارة السمراء
مقاتل - صورة تعبيرية

عقيل حسين

في إطار سعي أنقرة لحجز مكانة قوية لها في القارة الافريقية، وتحديداً في دول غرب القارة، بدأت شركات أمنية تركية بإرسال مجموعات من المقاتلين الخاصين إلى جمهورية توغو، التي ستكون محطة انطلاق يتوزع منها المجندون إلى دول الجوار الأخرى، التي تعاني من مشاكل أمنية وفراغاً خلفه انسحاب الجيش الفرنسي منها مؤخراً.

وتشمل هذه الدول كل من (مالي، النيجر، بوركينا فاسو، بنين، بالإضافة إلى توغو) التي شهدت خلال السنوات الثلاث الماضية انقلابات عسكرية نفذها ضباط مناوئون للنفوذ الغربي فيها، ما أجبر الدول الأوربية التي كان لها قواعد عسكرية واستثمارات في هذه الدول، وتحديداً فرنسا، على الخروج منها، حيث غادرت آخر دفعة من الجيش الفرنسي جمهورية النيجر، في العشرين من كانون الثاني/ديسمبر 2023.

اقرأ هذا الخبر: بشأن السوريين الذين يفقدون حقوقهم تعسفًا في تركيا

الحضور التركي: طموحات وعوائق

وتمتلك تركيا حضوراً معقولاً في مختلف أنحاء القارة الإفريقية، حيث جهدت خلال العقد الماضي من أجل تفعيل العمل الانساني هناك، عبر المؤسسات الاغاثية والبعثات التعليمية، ما مكنها من بناء شبكة علاقات جيدة في الكثير من الدول، قبل أن تترجم هذا الحضور إلى نفوذ سياسي.

ومنذ عام 2019 تمكنت أنقرة من لعب دور مؤثر في جمهورية مالي تحديداً، التي شهدت في العام 2020 انقلابان عسكريان، يقول المراقبون إن الأخير أوصل مجموعة ضباط مدعومة من قبل تركيا إلى الحكم، ما فتح الباب أمام القوى السياسية والعسكرية في الدول المجاورة، المتطلعة لإنهاء النفوذ الغربي فيها، من أجل القيام بحركات مماثلة، كما حدث لاحقاً في النيجر وبوركينا فاسو وغيرها.

لكن مغادرة فرنسا منطقة الساحل وغرب افريقيا، وانهاء النفوذ الغربي فيها، لم يعنِ بالنسبة للأتراك أن الطريق لملء هذا الفراغ أصبح مفروشاً بالورد، بل تواجه أنقرة منافساً قوياً لها هناك، وهو روسيا، أما الصين فهي تعمل على التغلغل الاقتصادي.

ومنذ العام 2022 بدأت موسكو بنشر المئات من عناصر ميليشيا مرتزقة (فاغنر) في جمهورية مالي، الأمر الذي دفع أنقرة إلى التفكير بحلول جديدة لمواجهة النفوذ الروسي دون الاصطدام به، خاصة في ضوء المصالح المشتركة التي تجمع البلدين، بما في ذلك مصلحتهما بإنهاء الحضور الغربي في القارة السمراء.

وبالإضافة إلى ما سبق، تعاني دول المنطقة من تصاعد قوي للجماعات الجهادية، حيث يتنافس كل من تنظيمي القاعدة وداعش، بالإضافة لقوى أخرى، بعضها ذي خلفية قومية وبعضه مناطقي، من أجل السيطرة والحكم.

واقع جعل من الوجود العسكري لتركيا في هذه المنطقة أمراً لا مفر منه بحال أرادت تعزيز حضورها هناك، وحجز حصة من الاستثمارات الضخمة فيها، حيث تمتلك دول الساحل وغرب افريقيا احتياطيات كبيرة من الذهب واليورانيوم والفوسفات، بالإضافة إلى النفط والغاز.

لكن المشكلة التي تواجه تركيا على هذا الصعيد هي تعقيدات قانونية تعيق ارسال قوات من الجيش النظامي خارج حدودها، حيث يفرض الدستور التركي الحصول على تفويض من البرلمان، لا يمكن للتحالف الحاكم تأمينه بسهولة.

وأمام تنامي النفوذ الروسي هناك، ومع حصول العديد من الشركات الاستثمارية التركية على عقود وامتيازات في دول المنطقة، ولمواجهة المخاطر التي تفرض نفسها بسبب الصراعات المحلية، يبدو أن أنقرة حسمت أمرها بالاعتماد على الشركات الأمنية الخاصة.

اقرأ هذا الخبر: روسيا تستغل المهاجرين كسلاح ضد أوروبا...تحويل الأزمة من إنسانية إلى سياسية

افريقيا: فضاء تركي واعد

في حديث خاص مع الباحث السوري في شؤون الجماعات الجهادية "عرابي عرابي" يقول: أبدت تركيا اهتمامها بالقارة الإفريقية منذ عام 2005، وذلك إثر انحسار آفاق الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، حيث بدأت أنقرة البحث عن أسواق جديدة كفيلة باستيعاب منتجات شركاتها، واتبعت في ذلك عدة أساليب واستراتيجيات، بدءاً من التعاون الإنساني والعسكري، وصولاً إلى رفع التبادل التجاري.

ويضيف لـ "المهاجرون الآن": ظهر اهتمام تركيا بتطوير علاقاتها مع الدول الإفريقية منذ سنوات، لا سيما في منطقة الساحل والصحراء وغرب القارة، بهدف بناء شراكات متعددة، وصولاً إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية التي تتمحور حول إيجاد موطئ قدم في هذا الجزء الاستراتيجي من القارة، والمساهمة بإعادة هندسة المعادلة الإقليمية في دول الساحل والصحراء، في ظل إلحاح بعض القضايا التي تتشابك وتحدد علاقة تركيا بالعالم العربي وأوروبا وأفريقيا بطبيعة الحال، مثل تنامي ظاهرة التنظيمات الإرهابية في الساحل وغرب أفريقيا، واستمرار أزمة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، فضلًا عن مزاحمة بعض القوى الأوروبية هناك، مثل فرنسا وألمانيا، بالإضافة إلى محاولاتها المستمرة للتأثير في الملف الليبي بهدف تعزيز نفوذها في هذا البلد، وتطويق المصالح الاستراتيجية للقوى المحلية والإقليمية والدولية المناوئة لدور تركيا هناك.

لكن عرابي يلاحظ أنه ومع ذلك "لم يصل الحضور التركي إلى مستوى الاستثمارات الفرنسية والصينية في إفريقيا، حيث إن استثمارات البلدين تزيد عن 100 مليار دولار -بحسب إحصاءات منظمة UNCTAD- إلا أن تركيا تنافس على التموضع في الفضاء الجيو-استراتيجي للقارة، وذلك باتباع استراتيجيات مختلفة، تعتمد على الاقتصاد وتزايد الحضور الدبلوماسي المباشر والقوة الناعمة من خلال -التعاون الإنساني والديني والطبي- إضافة إلى تصاعد الحضور العسكري المباشر.

وحول نقطة التحول الرئيسية في المساعي التركية بهذا الخصوص يقول: أصبحت السياسة التركية أكثر عسكرة منذ عام 2015 بُغية توسيع نفوذها الجيوسياسي في المنطقة والقارة، وهو ما برز في اتفاقات التعاون الأمني والعسكري التي أبرمتها أنقرة مع معظم دول المنطقة، مثل موريتانيا وغامبيا وساحل العاج وتشاد والسودان وغينيا ونيجيريا وبنين، وآخرها التوصل إلى اتفاق أمني مع النيجر في يوليو 2020 بهدف إيجاد موطئ قدم علني في منطقة الساحل والصحراء.

ميزات محفزة

بالإضافة إلى ما سبق، فإن حكومات هذه الدول ذات الغالبية المسلمة، والتي تواجه صعوداً متزايداً في قوة ونشاط الجماعات الجهادية، ترى أن وجود بلد مسلم مثل تركيا يمكن أن يسهم في تقليص نفوذ وانتشار هذه الجماعات، كما يقوي من شرعية المواجهة معها.

يؤكد عرابي على هذه النقطة، مشيراً أن "أنقرة عملت على استقطاب قبائل الطوارق في بعض الدول، من أجل الترويج لسياساتها في الساحل وغرب وشمال أفريقيا، مستخدمة بذلك العلاقة القوية بين جماعة الإخوان المسلمين، المقربة منها، وبين شيوخ قبائل الطوارق من الإسلاميين".

في نيسان/أبريل عام 2020، زار عشرة من شيوخ وقادة الطوارق تركيا، حيث تسعى تركيا لاستمالة هذا المكون من خلال المساعدات الإنسانية، وتوسيع دائرة حضور الإسلام في القارة، "مما يزيد من النفوذ التركي ويمنحها أوراق ضغط أمنية تمكنها من التفاوض على ملفات مختلفة، في ليبيا والنيجر ومالي والجزائر وفرنسا ذاتها" كما يقول الباحث عرابي عرابي، الذي يضيف أيضاً:

انخرطت تركيا في العسكرة داخل إفريقيا بشكل أوضح منذ زيارة رجب طيب أردوغان للصومال عام 2011، وبدء المساهمة في البعثات العسكرية الأممية، حيث وافق البرلمان التركي في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 على المشاركة في عمليات حفظ السلام الدولية في مالي وأفريقيا الوسطى، كما أن تركيا ذاتها توسعت في بناء قواعد عسكرية لها في القارة.

وعلى هذا الصعيد، استطاعت تركيا التمركز عسكريًّا والوصول إلى شمال إفريقيا عبر البوابة الليبية، بموجب اتفاقات عسكرية أبرمها الرئيس التركي مع رئيس حكومة الوفاق فايز السراج في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، ما دفع تركيا لإرسال قرابة 3000 جندي تركي، إضافة إلى دعم وجودها العسكري من خلال إحضار مقاتلين سوريين لقاء رواتب شهرية، وذلك بهدف ترسيخ وجود حكومة السرّاج مقابل تقدم قوات حفتر، وقد كان لسيطرة القوات المدعومة من قبل تركيا على (قاعدة الوطية) القريبة من الحدود التونسية، أثر كبير في تعزيز حضور القوات التركية لجهة تأمين قاعدة جوية لها هناك، إلى جانب قاعدتين أخريين في مصراتة ومطار معيتيقة، وبالتالي ازدياد النفوذ العسكري لأنقرة في ليبيا.

كما سعت أنقرة لتوسيع حضورها العسكري غربي أفريقيا، ففي يوليو/تموز 2023، وقعت تركيا اتفاقًا مع حكومة النيجر على إنشاء قاعدة عسكرية برية وجوية، تهدف لتدريب جيش النيجر وتزويده بالسلاح، فضلاً عن اشتمال الاتفاقية على بنود حول تطوير قطاعات النقل والبناء والطاقة والتعدين والزراعة، ما منح تركيا موقعًا ثالثًا في إفريقيا بعد الصومال وليبيا.

يرى عرابي أنه "من المتوقع أن يتزايد اهتمام أنقرة بالساحل والصحراء وغرب أفريقيا، "حيث ستعمل تركيا على زيادة الاتفاقيات الأمنيّة والعسكريّة بدول المنطقة خلال المرحلة المقبلة، في ضوء تشابك وتعقُّد المشهدين الأمني والجيوسياسي في الساحل والصحراء، إضافة لمواصلة مساعيها لتعزيز حضورها في المنطقة، بضوء صعوبة فك الارتباط بين تطورات الملف الليبي وملف غاز شرق المتوسط، وانعكاساتها على منطقة الساحل والصحراء، وطموح تركيا للعب دور أكبر على الصعيدين القاري والدولي".

تجنيد سوريين

لكن زيادة الحضور العسكري التركي في القارة السمراء ليس بالأمر السهل، حيث يتطلب موافقة أغلبية البرلمان، الأمر الذي قد لا توافقه عليه المعارضة، كما يفرض تعقيدات بيروقراطية تعيق من المرونة وسرعة الاستجابة التي يتطلبها.

ولذلك لجأت تركيا إلى الشركات الأمنية الخاصة، التي تجند مقاتلين محليين أو أجانب يحملون صفة "المرتزقة" باعتبارهم يقاتلون من أجل المال بالدرجة الأولى.

وسبق لأنقرة أن اعتمدت على مقاتلين سوريين يتبع معظمهم لـ"الجيش الوطني" المعارض والمتحالف معها شمال سوريا، لدعم حلفائها بليبيا، وكذلك لمواجهة الانفصاليين الأرمن في أذربيجان، مقابل مبالغ مادية مغرية في ضوء الواقع الاقتصادي السيء الذي يعيشه السوريون.

وخلال الأيام الماضية، توجهت دفعة ثانية من المقاتلين السوريين المتعاقدين مع شركة "سادات" الأمنية التركية الخاصة من الشمال إلى داخل تركيا، قبل المغادرة إلى جمهوريتي بوركينا فاسو والنيجر.

الأخبار تحدثت عن نقل نحو 300 من هؤلاء العناصر، بإشراف قادة ومسؤولين في "الفيلق الثاني" التابع للجيش الوطني، على أن تتبعها دفعات أخرى.

وحسب المعلومات، فإن العدد المطلوب حالياً هو 3 آلاف مقاتل، تم تأمين نحو ألف منهم حتى الآن، على أن يحصل كل عنصر على راتب شهري يبلغ 2000 دولار، تقتطع منها نحو 800 دولاراً كمصاريف إدارية ونسب خاصة للجهة المسؤولة عن تجنيد وتدريب هؤلاء المقاتلين.

وحول الأنباء التي تحدثت عن مقتل أربعة من العناصر السوريين في النيجر مؤخراً، نفى مصدر مطلع في الجيش الوطني هذه المعلومات، مؤكداً أن العناصر السوريين مهمتهم هي حراسة المنشآت، وفق عقد يمتد لمدة 12 عاماً.

وكان تنظيم الدولة قد نشر قبل يومين اخباراً عن مواجهات بين مقاتليه والجيش النيجري، قال إنها اسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من الجيش، لكن لم يتم التأكد حتى الآن من وجود عناصر أجانب بين الضحايا.

اقرأ هذا الخبر: يخشون الحياة في سوريا وليس الموت... تقرير أممي عن الجرائم بحق العائدين إلى بلادهم

المعارضة بين الصمت وإخلاء المسؤولية

ورغم انتشار هذه الأخبار على نطاق واسع، إلا أن أي جهة رسمية في المعارضة السورية لم تعلق عليها.

لكن هادي البحرة، رئيس الائتلاف الوطني، أكد أن لا علاقة للمؤسسات الرسمية بما يحصل على هذا الصعيد، مشدداً على أن الائتلاف والحكومة المؤقتة ووزارة الدفاع فيها، لا يؤيدون ارسال أي مقاتلين سوريين إلى خارج البلاد.

وأضاف في تصريح خاص: موقف الائتلاف تجاه مشاركة السوريين في القتال خارج البلاد واضح، فهو لا يؤيد أي مشاركة عسكرية للسوريين خارج الأراضي السورية، إلا في حالات الارتباط الوثيق لهذه المشاركة مع المصالح الوطنية السورية المباشرة، أو للدفاع عن الأراضي السورية والسوريين، وبقرار من الائتلاف والحكومة المؤقتة، وبالتالي لم يوافق الائتلاف، ولا حكومته المؤقتة، ولا وزارة الدفاع على ارسال أي قوات إلى خارج سورية.

البحرة أكد أن "أي مشاركات للسوريين ثبت حدوثها سابقًا أو ستحصل الآن، لا علاقة للائتلاف وحكومته المؤقتة ووزارة الدفاع التابعة لها بها".

يذكر أن شركة فاغنر الروسية الأمنية الخاصة تنشط في مناطق سيطرة النظام في سوريا أيضاً، مستغلة تردي الواقع المعيشي للسكان هناك، ما يسهل عليها أيضاً تجنيد العشرات من المقاتلين المرتزقة شهرياً.

وحسب مصادر متقاطعة، فقد توجهت ثلاث دفعات خلال شهر كانون الثاني/ديسمبر من مطار اللاذقية إلى روسيا، وعلى متنها المئات من المجندين من أعمار مختلفة، على أن تكون وجهتهم النهائية في إحدى دول افريقيا أيضاً.

تصويت / تصويت

هل الهجرة واللجوء إلى دول الغرب

عرض النتائج
الحصول على الجنسية
0%
حياة افضل
67%
كلاهما
33%

ابق على اتصال

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!